|
صفحة جديدة 1
"ما
أمسى بجارك أصبح بدارك"، حكمة قديمة أثبتتها وقائع الناس وتجاربهم سواء كانوا
أفراداً أم جماعات أم شعوباً.
والعبرة في الظروف التي تدفع المرء نحو إدراك تلك الحكمة واستيعاب مفهومها ومدى
مطابقتها لواقع الحال، بناءً على القصد الأساسي من تلك الحكمة ألا وهو (رابطة
الجوار).
وليس
بالضرورة أن تكون هذه الحكمة مطابقة للواقع في كل الأحوال، لكنها بالضرورة تظل
معنية بكل رابطة تجاورية على وجه الإجمال لا التفصيل.
ومن
أبرز الأمثلة على واقعية وتطبيقات تلك الحكمة العلاقة بين المملكة العربية السعودية
واليمن، فبحكم قوة الترابط الجغرافي والتاريخي الذي زاده الإسلام قوة وأصالة نجد أن
التأثير المتبادل على الجانبين ملازم لكثير من تفاصيل ووقائع تلك العلاقة.
ومن
دون الحاجة للنظر في التاريخ القديم نلاحظ أنه خلال العقود الأربعة الماضية وإلى
اليوم كانت السعودية جزءاً من المشهد الداخلي اليمني في كثير من الأحيان بما فيه من
تفاعلات وأحداث.
وهذا
الحضور السعودي – بصرف النظر عن واقعه وأسبابه – شيء طبيعي بحكم العلاقة التجاورية
كما يحدث بين أي دولتين أو شعبين متجاورين.
وعندما تلتقي التفاعلات الداخلية مع المؤثرات الخارجية على مسرح الأحداث اليمنية
تصبح العلاقة اليمنية السعودية أكثر عرضة للتحولات والتطورات إيجاباً كانت أم
سلباً، وبحسب ما تقتضيه المواقف السياسية أو تحدده التوجهات الفكرية لدى الأطراف
الفاعلة داخل اليمن وخارجها.
وتأتي
القضية الحوثية في اليمن لتمثل نموذجاً بارزاً لكيفية التقاء التفاعلات الداخلية مع
المؤثرات الخارجية. والجديد في هذا النموذج أن تأثيره لم يتوقف عند العلاقات
اليمنية السعودية بل أصبح جزءاً من المشهد السعودي الداخلي. فبعد أن أمست القضية
مشكلة يمنية في جبال مَرّان عام 2004م أصبحت مشكلة سعودية في جبال الدخان عام
2009م.
فما
هي الأسباب والظروف التي حولت المشكلة الحوثية اليمنية إلى أزمة سعودية وربما
إقليمية؟.
في
هذه المقالة سأحاول الإجابة على هذا السؤال، أو بمعنى أدق توضيح ظروف الأزمة
وأبعادها؛ لأن الجواب القطعي متعذر الوصول إليه؛ بسبب علامات الاستفهام التي تلُفّ
كثيراً من جوانب الحدث.
إرهاصات المواجهة السعودية الحوثية:
المشروع التوسعي الإيراني:
يحرص
الإيرانيون على التمسك بموروثهم التاريخي الفارسي القديم. فقد ظل حاضراً بقوة في
الثقافة الإيرانية إلى اليوم، ويعبرون عن هذا التمسك بمناسباتهم وأعيادهم ذات
الطابع الفارسي.
كما
أن الفكر الفارسي ظل ملازماً لنمط التفكير السياسي، وخصوصاً منذ قيام أنظمة حكم
إيرانية منفصلة عن الدولة الإسلامية، حيث غلب عليها البعد القومي الفارسي المتعطش
لإعادة إحياء إمبراطورية فارس.
وهكذا
ظلت الرغبة في التوسع والهيمنة خارج حدودها قائمة على أصولها الفارسية؛ مع اختلاف
في وسائل وأساليب العمل؛ بحسب ما تفرضه متغيرات الواقع ومتطلباته.
وفي
عصرنا الحاضر تسعى إيران لفرض نفسها على المنطقة وتحقيق طموحاتها التوسعية مستندة –
في سبيل ذلك – إلى وسيلتين دائمتي الحضور في خطابها السياسي الداخلي والخارجي.
الوسيلة الأولى (المذهبية): وذلك عبر نشر المذهب الجعفري، ودعم الكيانات الشيعية في
المنطقة العربية، مع التركيز على المنطقة الممتدة من الخليج والعراق شرقاً إلى حوض
البحر الأحمر والقرن الأفريقي غرباً، ومن بلاد الشام شمالاً وحتى اليمن جنوباً.
ومن
خلال هذه الكيانات الشيعية نجد أن إيران تسعى لاستغلالها في محاولة لتطويق هذه
المنطقة بالغة الأهمية بما فيها من مصادر الطاقة والممرات المائية الإستراتيجية
والأماكن المقدسة في مكة والمدينة التي يصورها الشيعة بأنها "خاضعة للاحتلال
الوهابي".
الوسيلة الثانية (عسكرية): وهي وسيلة أدمن النظام الإيراني على استخدامها في إطار
سياسته الخارجية، وخصوصاً فيما يتعلق بدول المنطقة المستهدفة إيرانياً.
ويتم
تنفيذ هذه الوسيلة عبر ثلاثة أساليب:
-
أسلوب
الترهيب، من خلال استعراض عضلات الجيش والتصريحات النارية حول القدرة العسكرية
لإيران. وهنا يأتي دور الغرب المؤجج والمضخم لقدرات إيران العسكرية لأغراض تخدم
مصالحه؛ في الوقت الذي تستفيد إيران من ذلك سياسياً وإعلامياً، حتى وإن كانت
القدرات العسكرية الإيرانية دون مستوى التهويل الإعلامي الإيراني والغربي.
-
الأسلوب الثاني: الانتشار العسكري الفعلي في بحر العرب ومضيق هرمز وباب المندب
وكذلك البحر الأحمر.
وقد
اعترفت إيران بهذا الانتشار على لسان محمد علي جعفري - قائد الحرس الثوري الإيراني
- في تصريحات له يوم 29/8/2009م ذكر فيها أن زيادة الوجود الإيراني في خليج عدن هو
لأغراض "دفاعية"، مؤكداً أن "صواريخ إيران دقيقة جداً وتصيب أهدافها في أي مكان"،
بدون أن يعطي تفاصيل إضافية(1).
وشمل
الانتشار العسكري البحري بناء قواعد عسكرية داخل إريتريا، وبالذات في ميناء عصب
المطل على البحر الأحمر. ويعد هذا العمل تهديداً للأمن القومي للسعودية واليمن
ومصر، بحسب تأكيدات عدد من الخبراء(2).
وواضح
أن لإيران اهتمام بالجانب البحري في هذه المنطقة؛ حيث يذكر نائب رئيس تحرير صحيفة
(الجمهورية) اليمنية الرسمية -عباس غالب- أنه عند زيارة مسؤول إيراني كبير إلى
صنعاء -أوائل العام 2009م- كان يحمل بين طيات ملفاته قصاصة صغيرة كتبت عليها عبارات
محددة تشير إلى أن طهران على استعداد لتوسيع وتنشيط أحد الموانئ الصغيرة، وأن على
السلطات اليمنية تسهيل هذه المهمة من أجل تعزيز وتطوير علاقات البلدين الثنائية.
وخلال
اللقاء مع المسؤول الإيراني جرى حديث طويل تركز على أن ثمة أولويات يمكن لطهران
المساهمة فيها، ومن ضمنها موانئ أخرى ذات بعد إستراتيجي وتنموي لتعزيز هذه
العلاقات.
وعندما أصرَّ المسؤول الإيراني على طلبه وهو يعيد قراءة ما كُتب على تلك القصاصة،
فُهِم أن طهران ترمي من تنشيط ذلك الميناء النائي والصغير إلى الحصول على فرصة
لإيصال عتاد وأسلحة إلى عناصر التمرد الحوثي خاصة أن هذا الميناء البحري يقع
جغرافياً بالقرب من المناطق التي يتحصن فيها الحوثيون(3).
والميناء المقصود هنا هو (ميناء ميدي) الذي لا يمثل أهمية تجارية كبيرة لليمن، إلا
أن قربه من الحدود السعودية ومناطق الصراع في صعدة ربما يكون سبباً للمحاولات
الإيرانية لبسط سيطرتها عليه تحت غطاء الاستثمار. وكان ميناء ميدي قد حظي باهتمام
إعلامي واسع بعد أن أصبح – في نظر الكثيرين – مصدراً رئيسياً لتهريب الأسلحة
للمتمردين الحوثيين.
ويلاحظ أن الحرب السادسة في صعدة تركزت في الأجزاء الغربية من المحافظة والقريبة من
الحدود السعودية والمناطق الساحلية، وكان الحوثيون قد حاولوا التغلغل إلى مديرية
ميدي اليمنية الساحلية، كما كان لهم اهتمام ببعض المناطق الساحلية لمحافظة الحديدة
(غرب اليمن)، وكل أنباء تلك المحاولات ظهرت خلال الحرب السادسة بالتزامن مع زيادة
انتشار السفن الحربية الإيرانية في المناطق القريبة من السواحل اليمنية.
-
الأسلوب الثالث: الدعم التسليحي والتدريبي للكيانات الشيعية، وقد ثبت ذلك في حالتي
"حزب الله" اللبناني والتيار الحوثي اليمني، إلى جانب الدعم المقدم للمليشيات
العراقية.
ومن
خلال هذا الدعم تتحول هذه الكيانات إلى قواعد عسكرية إيرانية داخل المجتمعات
العربية، على طريقة النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق.
وفي
أحسن الأحوال تصبح هذه الكيانات ورقة ضغط تستغلها إيران لفرض نفوذها، أما في أسوأ
الأحوال فستكون آلة دمار شامل كما هو حاصل في صعدة.
عوائق
التوسع الإيراني:
تعد
السعودية أهم عائق أمام التوسع الإيراني في المنطقة، يليها في ذلك العائق المصري.
فالسعودية دولة إقليمية سنية كبرى، وتتمتع بإمكانيات اقتصادية وعسكرية كبيرة، إضافة
إلى نفوذها السياسي ودورها الفاعل في محمل الأحداث التي تشهدها المنطقة. وهذا كاف
لأن يجعل إيران تنظر إلى السعودية بعين عدائية تنافسية مذهبياً وسياسياً؛ خصوصاً
وأن إيران -ومعها الكيانات الشيعية- تعتبر السعودية الراعي الرسمي للإسلام السني في
العالم.
وتقع
السعودية في قلب المشروع التوسعي الإيراني، فاستغلال إيران للكيانات الشيعية في دول
الخليج يهدد أمن واستقرار هذه الدول وعلى رأسها السعودية.
كما
يأتي التهديد الإيراني من الجهة الغربية عبر البحر الأحمر، ومن الشمال (بلاد الشام)
يأتي خطر الهلال الشيعي الذي بدأ تشكيله من لبنان غرباً والعراق شرقاً.
أما
الجنوب السعودي فالدور قد يكون على الحوثيين، والقول: إن هناك مشروعاً لإنشاء هلال
شيعي آخر جنوب السعودية يمتد إلى الأجزاء الشرقية منها غير مستبعد ويصعب نفيه،
خصوصاً بعد الحراك الشيعي الذي برز بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م وزادت وتيرته بعد
احتلال العراق.
الدور
الحوثي:
لذا
فإنه في ظل الأطماع التوسعية الإيرانية يمكن للتيار الحوثي، الذي أثبتت الوثائق
والحقائق، تقاربه مع إيران، أن يصبح أداة إيرانية تستهدف استقرار المنطقة وليس
اليمن فقط.
وفي
حال كان الأمر كذلك فإن الطموحات الإيرانية لن تتوقف داخل الأراضي اليمنية، لأن ذلك
لا يتفق مع تلك الطموحات؛ فلليمن موقع إستراتيجي مهم جداً إقليمياً وعالمياً يسيل
له لعاب كل طامع. ولهذا فالدعم الهائل الذي تقدمه إيران للحوثيين ربما يفوق أي دعم
تتلقاه جماعة شيعية أخرى باستثناء ما يحصل عليه "حزب الله" اللبناني.
الحرب
الإعلامية:
بعد
الحديث المختصر عن المشروع التوسعي الإيراني وعلاقة الحوثيين به، نأتي –الآن- إلى
ذكر الإرهاصات التي سبقت المواجهات في جنوب المملكة.
فمعروف عن الحروب أنها تبدأ بكلام، وقديماً كان للشعر والخطب الحماسية دور مهم في
تأجيج الصراع بتهديد الخصم أو الانتقاص منه أو تشويه سمعته أو تضخيم الذات لترهيبه،
وغير ذلك من الأغراض.
وفي
العصر الحديث جاءت وسائل الإعلام مستخدمة أغراض الحرب الكلامية القديمة، وزادت على
ذلك -بشكل أساسي- القيام بدور المهيِّئ لساحة المعركة، وتوجيه الرأي العام لتقبل
الحرب أو دعمها. كالدور الذي قام به الإعلام الأمريكي قبل احتلال العراق، والدور
الإعلامي الصهيوني قبل العدوان الأخير على غزة.
وبأسلوب مشابه تقريباً شن الحوثيون والإيرانيون حرباً إعلامية ضد السعودية منذ أن
بدأت المواجهات بين الجيش اليمني والمتمردين الحوثيين عام 2004م.
وعلى
مدى خمس سنوات ركز الإعلام الحوثي والإيراني على جانب رئيس في حربه ضد السعودية،
وهو إظهارها بصورة العدو المعتدي، وتصوير الحوثيين بمظهر المظلوم المعتدى عليه.
وبهذا
الأسلوب يتم كسب العاطقة الشعبية وخلق نوع من القبول أو الحياد على الأقل في حال
القيام مستقبلاً بتصرفات معاكسة قد تواجه رفضاً لدى الرأي العام الداخلي أو
الخارجي.
ومنذ
بداية الحرب السادسة في محافظة صعدة اليمنية -يوم 12 أغسطس 2009م- بين الجيش اليمني
والتمرد الحوثي، حرص الإعلام الحوثي والإعلام الإيراني على تكثيف الاتهامات الموجهة
ضد السعودية، وكانت الاتهامات تدور حول دعم السعودية للحكومة اليمنية في حربها ضد
الحوثيين بالمال والسلاح، والسماح للجيش اليمني باستخدام أراضي سعودية لشن هجمات ضد
الحوثيين، وكذلك المشاركة العسكرية المباشرة ضد المتمردين الحوثيين في صعدة.
وكانت
قناة (العالم) الإيرانية أول وسيلة إعلامية تقريباً توجه الاتهامات السابقة ضد
السعودية، فقد ذكرت يوم 15/8/2009م أن الطيران الحربي السعودي يتدخل مباشرة في
الهجمات التي يشنها الجيش اليمني ضد الحوثيين في صعدة.
وأضافت القناة أن الرياض وافقت
على طلب يمني باستخدام الطائرات الحربية اليمنية لقاعدة خميس مشيط السعودية،
ومساهمة الطيران السعودي الحربي في محاصرة صعدة ومهاجمة الحوثيين من الشمال والشرق.
وأشارت القناة أن مصادرها أكدت أن اليمن تلقت وعوداً من السعودية بدعم مالي وسياسي
واسع في العمليات العسكرية(4).
وفي
17/8/2009م اتهم القيادي في المعارضة اليمنية والمعروف بتعاطفه مع الحوثيين محمد
عبد الملك المتوكل "عناصر داخل السعودية بدفع النظام في اليمن" إلى مواجهة الحوثيين(5).
وفي
20/8/2009م وجه التيار الحوثي رسالة إلى السعودية ذكروا فيها أنهم "لمسوا -من خلال
اتصالات رسمية بهم من قِبل مصادر في النظام اليمني- تهديدهم بحمل السعودية على
المشاركة في حرب صعدة ضدهم".
وأبدى
الحوثيون "أسفهم"
من
"التماسهم وجود مساعدات متنوعة من قبل السعودية للنظام اليمني في الحرب عليهم"،
معتبرين ذلك الدعم غير إيجابي ولا يخدم مصلحة البلدين على حد قول الرسالة. كما تمنى
الحوثيون أن تكون المملكة العربية السعودية مع البناء لا مع "الدمار والحرب" على حد
تعبيرهم.
كما
أكدوا -في الوقت نفسه- أنهم لا يحملون "توجهات عدائية
ضد أحد، وأنهم ليسوا دعائم ارتكاز لأي طرف في العالم"(6).
هذا
التأكيد كان قد سبقه تأكيد مماثل في لقاء قيل إنه تم بين جماعة حوثية وحرس الحدود
السعودي يوم 30 يوليو 2009م، حسب ما نقله موقع (الصحوة نت) في 5/8/2009م. كما نقل
الموقع عن بيانٍ حوثي تهديده السعودية في حال وجود "محاولةٍ لاستخدام الأراضي
السعودية" ضد المتمردين، معتبرا ذلك "اعتداءً على السيادة اليمنية"، وموضحاً بأنه
سيتم مواجهته بالمثل.
وفي
22/10/2009م، اتهمت قناةُ العالم الإيرانية -عبر موقعها الإلكتروني- السعوديةَ
بتجنيد "نحو ألف عنصر" للانضمام إلى القوات اليمنية في حربها ضد التمرد. وقالت إن
السعودية "قدمت -إضافة لهذا الدعم- مبلغاً قدره خمسة ملايين دولار للحكومة
اليمنية"؛ لدعمها في المجالات "اللوجستية في
حربها في شمال البلاد". وقالت إن الرياض "خصصت ميزانية تبلغ خمسة ملايين دولار
يومياً لدعم الجيش اليمني". كما جددت القناة اتهاماتها للسعودية بـ"التدخل" في حرب
صعدة(7).
نفس
التهم كررها الموقع الإلكتروني لـ(مؤسسة الإذاعة والتلفزيون) الإيرانية الحكومية في
24/10/2009م(8).
وقبل
ذلك بيومين سارت مظاهرة طلابية نحو السفارة السعودية بطهران تندد وتتوعد، واتهم
المتظاهرون المملكة "بدعم الإرهاب"، "ودعم السلطات اليمنية ضد الحوثيين", و"العلاقة
مع إسرائيل"(9).
وتطور
الوضع إلى مواجهة مسلحة بين الحوثيين وحرس الحدود السعودي يوم 19/10/2009م في منطقة
الحصامة الحدودية، وقُتل فيها اثنان من الحرس الحدودي السعودي(10).
ولم
تتضح أسباب تلك المواجهة باستثناء ما ذكره موقع (مأرب برس) -في 19/10/2009م- حول
اتهام الحوثيين للسعودية "بقصف منطقة الحصامة بالرشاشات الثقيلة"، ولم يرد تأكيد أو
نفي من الجانب السعودي.
ونلاحظ من سياق الخطاب الإعلامي السابق والموجّه ضد السعودية أنه أشبه بخطاب حرب
استفزازي هجومي يضع السعودية في خانة العدو المباشر.
ويتضح
هذا الموقف بشكل أكثر بمجرد البحث في أرشيف الموقع الإلكتروني لقناة (العالم)
الإيرانية، حيث نجد أن ما نشر عن السعودية من 4/8/2009م وحتى 3/11/2009م يكاد يكون
كله عدائي ليس فيما يتعلق بالقضية الحوثية فقط، بل في قضايا أخرى أيضاً، ويتكرر ذلك
بشكل شبه يومي، ومعظم ما نشرته القناة جاء بالصيغة الإخبارية وبصورة انتقائية يصعب
معها القول إنها حرية إعلامية أو حرية رأي. كما نلاحظ طغيان النزعة المذهبية
الطائفية وتصوير السعودية بأنها عدو أو خطر يهدد الشيعة والمذهب الشيعي.
بالمقابل لم يدخل الإعلام السعودي -قبل مواجهات 3 نوفمبر- معمعة الحرب الإعلامية
التي شنها الحوثيون والإيرانيون؛ وأقصد بالإعلام السعودي هنا وسائل الإعلام
المقروءة شبه الرسمية والمقربة من مراكز صنع القرار السعودي.
والتزاماً بالتوجه الرسمي الصامت اكتفت وسائل الإعلام السعودية باستعراض الأحداث
اليمنية من زاوية إعلامية شملت عرض المواقف اليمنية الرسمية والمواقف الحوثية
المضادة.
وفي
عموم الأحوال صورت وسائلُ الإعلام السعودية حربَ صعدة على أنها شأن يمني داخلي لا
علاقة للسعودية بها.
صحيح
كانت هناك آراء سعودية إعلامية هاجمت الحوثيين وإيراني، ولكنها تدخل ضمن السياق
النقد العام للسياسة الإيرانية الخارجية عموماً، ونقد الأوضاع اليمنية سواء في صعدة
أو غيرها.
مسار
المواجهات:
في
يوم 3 نوفمبر الماضي قام الحوثيون بالتسلل إلى جبل الدخان داخل الأراضي السعودية
معلنين عن هذا الهجوم، ومعترفين بقتل ضابط سعودي وجرح 11 جندياً من حرس الحدود.
السعودية من جهتها أكدت النبأ في اليوم التالي. وجاء ردها سريعاً وحازماً، عبر
استدعاء العديد من الوحدات العسكرية البرية والجوية والبحرية، يقودها ميدانياً
مساعد وزير الدفاع والطيران والمفتش العام للشؤون العسكرية الأمير خالد بن سلطان بن
عبدالعزيز، وشنها هجوما مضادا على من أطلقت عليهم المتسللين.
وقد
استخدم الجيش السعودي في عملياته العسكرية تكتيكين حربيين هما القصف المكثف
بالطيران والمدفعية على مواقع الحوثيين، والإنزال المظلي خلف خطوط تجمعاتهم. ولم
ينجر الجيش السعودي بعملية برية واسعة بسبب التضاريس الجغرافية الوعرة، واعتماد
الحوثيين على مهارة حرب العصابات التي تستنزف الجيوش النظامية غالبا.
وأعلنت السعودية في الأيام الأولى من المواجهات عن أسر وقتل مئات المتسللين، في
الوقت الذي كانت الساحة لا تزال تشهد مواجهات عنيفة تدور رحاها بين الطرفين.
وقد
برر الحوثيون استهداف (جبل الدخان) بكونهم طاردوا جنودا يمنيين تمركزوا في الجبل،
وبأن المملكة سمحت للجيش اليمني بمهاجمتهم من أراضيها.
اللواء المتقاعد في الجيش السعودي يحيى الزايدي رأى أن لجوء الحوثيين إلى (جبل
الدخان) يأتي بنية الحصول على منفذ قريب من البحر، ليتلقى الحوثيون من خلاله الدعم
الخارجي؛ كون المنطقة قريبة من البحر(11). ولذا فقد
شددت البحرية السعودية مراقبتها على الشريط البحري الممتد بطول 64كم من جازان إلى
الموسم(12).
ورغم
أن السعودية كررت إعلانها السيطرة على الشريط الحدودي، إلا أن الحوثيين حاولوا فتح
أكثر من جبهة قتال على طول الحدود مع السعودية. فقد حاولوا فتح جبهة عند حدود منطقة
نجران عبر محافظة الجوف اليمنية، لكن القبائل اليمنية أفشلت تلك المحاولة. ومع هذا
استطاع الحوثيون التسلل إلى عمق الأراضي السعودية عند قرية الجابري في 11/12/2009م.
وظهر
من مجريات الأحداث أن السعودية كانت عازمة على تطهير أراضيها من العناصر الحوثية
–أو ما وصفتهم بالمتسللين- بشكل عسكري. ورغم مناشدة يحيى الحوثي السعوديةَ التفاهم
ووقف العمليات، في الأيام الأولى من المواجهات، إلا أن السعودية –حسب وصفه- لم
تستمع إليه(13). فقد سبق للأمير خالد بن سلطان أن
أكد -في 10/11/2009م- بأنه لا داعي للصلح، وأن المطلوب من الحوثيين أن يكفوا عن
"تجاوز الحدود"(14).
استمرت المواجهات لأكثر من ستة أسابيع، أبدى الحوثيون خلالها استبسالا في قتالهم
ورغبة في الظهور الإعلامي بكونهم مستهدفون سعوديا وأنهم مدافعون عن الأراضي اليمنية
في وجه الزحف السعودي. وقد نشرت المواقع صورا لجنود أسروا ومعدات سعودية مدمرة
وأخرى حازها الحوثيون في قتالهم ضد السعودية.
وقد
حاول الحوثيون في استدراج السعودية للتفاوض معهم حول الوضع كطرف مقابل، وهو ما بدت
السعودية رافضة له رغم تسريب مواقع الحوثيين لصور (فيديو) تصفها بأنها مباحثات
بينهم وبين الجيش السعودي على الحدود!
وقد
دعا الحوثيون السعودية -في 23/12/2009م- إلى وقف ما وصفوه بـ"العدوان" مقابل وقف
العمليات القتالية من طرفهم، ملوحين برغبتهم في التفاوض. فجاء الرد السعودي حاسماً
على لسان الأمير خالد بن سلطان الذي أعلن رفض السعودية قائلاً: "إن المملكة
لن تفتح أي نقاش أو تفاوض مع أي فئة ضالة، وأن المتسللين المسلحين لن يكون لهم نصيب
من المفاوضات مع المملكة بشأن ما يحدث في الشريط الحدودي الجنوبي، وعليهم العودة
إلى حكومتهم للتحدث معها، وأن يظهروا الخير لبلدهم أولاً"، مشدداً على أن المملكة
"لا تتحدث إلا مع حكومات الدول"(15).
لقد فهمت السعودية بأن تحقيق هذا الهدف للحوثيين سيجعل منهم قوة سياسية حقيقية على
الأرض. لذا
جاءت
افتتاحية صحيفة (الوطن) -الصادرة يوم 24/12/2009م- تحت عنوان (لا تسوية مع
الحوثيين) لتؤكد هذا التوجه الرسمي قائلة: إن "خزعبلات
من يُدعى محمد عبدالسلام (الناطق باسم الحوثيين) حول الموقف على حدود المملكة غير
مقبولة ولا تنطلي على أحد. فالمملكة العربية السعودية لها كامل الحقوق التي كفلتها
لها الشرائع السماوية والأنظمة الدولية في الدفاع عن نفسها. ولم تبادر القوات
المسلحة بالعدوان كما يدعي الناطق الحوثي بل التزمت بحق الدفاع عن النفس بكل ما
يعنيه هذا الحق من قطع إمدادات المتسللين عبر الحدود. ورغم أن دعوة الحوثيين لوقف
الحرب تعكس الإنهاك العسكري الذي أصابهم والتمزق الذي ضرب صفوفهم. إلا أنهم ما
زالوا يكابرون من أجل تبييض وجوههم أمام الرأي العام. فكأنهم بقولهم إيقاف التسلل
للأراضي السعودية مقابل إيقاف العمليات العسكرية، يريدون أن يضعوا صيغة تسوية
يتجملون فيها أمام الناس. رغم أن العكس هو الصحيح فالعمليات العسكرية السعودية قامت
بسبب التسلل، وهي نتيجة له وليست الحرب سبباً لتسلل الحوثيين، الذين يتعللون بطريقة
مراوغة أن الجيش اليمني كان يضربهم من الأراضي السعودية، وكأن القوات اليمنية التي
تواجههم من خلال ثلاث جبهات مفتوحة محتاجة لجبهة رابعة".
وقالت: "ليتأكد الحوثيون وغيرهم أنه لا مجال للظهور بمظهر الند للمملكة، سواء
بمفاوضات أو بإيحاءات لتسويات سياسية. فالمملكة ليست في وارد الدخول في تسويات مع
عصابات مسلحة ومنحرفة على حساب رصيدها السياسي. والحل أمام المتسللين هو إيقاف
تسللاتهم والتوبة عن إيذاء جيرانهم، والتفاهم مع حكومتهم".
هذه
المواجهات كبدت السعودية منذ بدءها خسائر في الأرواح والعتاد وألحقت بمنطقة الجنوب
قلقاً متزايداً. وقد أعلن الأمير خالد بن سلطان أن قتلى
القوات العسكرية 73 عسكرياً، والمفقودين 26، بينهم 12 قتيلاً، مبيناً أن عدد
المصابين انخفض إلى 60 مصاباً بعد أن كان 470 مصاباً.
الحوثيون من جانبهم لم يعلنوا عن حجم خسائرهم. وإن كانت بعض الصور التي نشرت وسربت
في الإنترنت تظهر عمليات قنص وقتل وأسر في صفوفهم. إلا أن الحوثيون حرصوا على سحب
قتلاهم وجرحاهم من مواقع القتال.
أسباب
المواجهة:
رؤية
أطراف الصراع:
يحتج
الحوثيون على تسللهم إلى الأراضي السعودية بطرد الجنود اليمنيين الموجودين في (جبل
الدخان) الواقع بين الحدود اليمنية والسعودية. وهم يحملون السعوديةَ المسؤولية
الكاملة والمطلقة بسبب ما وصفه بيانهم بـ"التدخل في الشأن اليمني"(16)؛
كما حمّل بيانُهم السعوديةَ ما سينتج "عن هذا التدخل من عواقب وخيمة، ولن تكون
آثاره محدودة أو تحت التصرف"(17).
إذاً،
السبب عند الحوثيين هو طرد الجنود اليمنيين من داخل الموقع السعودي والرد على
التدخل السعودي في الشأن اليمني.
بالمقابل أحجم الجانب الرسمي السعودي عن تفسير أسباب الاختراق الحوثي للأراضي
السعودية، مكتفياً بوصف الحوثيين بـ "المتسللين"؛ وهذا توصيف ذو طابع جنائي؛ مما
يدل على عدم الرغبة في اتخاذ موقف رسمي علني يحمل بُعداً سياسياً أوسع يمكن أن يضر
بسمعتها ومكانتها الإقليمية والدولية.
لكنها
عبرت عن موقفها فعلاً بصورة غير مباشرة، وذلك عبر تبني وسائل الإعلام السعودية شبه
الرسمية والمقربة من السلطة للرؤية السعودية وتفسيرها للاعتداءات الحوثية.
فقد
أجمعت وسائل الإعلام السعودية على أن الحوثيين ينفذون مخططات إيرانية تستهدف
السعودية والمنطقة بأكملها.
فهذه
صحيفة (الوطن) تصف -في افتتاحيتها- الحوثيين بعملاء التوسع الإيراني، وتحذرهم بأن
"اللعب
بالنار مع الحدود السعودية له أثمان فادحة للغاية لا يقدر عليها العملاء الصغار
لمشاريع التوسع الإيراني الطائفي، الذي يحلم به الغارقون في التفسير الغيبي للتاريخ
في طهران، ليساوموا الغرب من أجل الحصول على صفقة أفضل في مجال التسلح النووي
والمكاسب السياسية مستخدمين بيادق حوثية جاهلة".
وقالت الصحيفة: "خسر الحوثيون الكثير أمس وكذلك حلفاؤهم، إذا كان غرضهم معرفة رد
فعل المملكة. إذا كان لديهم قضية فلقد خسروها لحظة أن ربطوها بإيران ومشروعاتها،
ولحظة أن جعلوها طائفية، خسروا إقليمياً ومحلياً داخل اليمن. لقد صبرت المملكة ونأت
بنفسها عن هذا الصراع الذي فجرته أصابع العبث الإيرانية، وظلت تتجاهل محاولات
الحوثيين لتوسيع الصراع بادعاءاتهم الفارغة واستدراجهم الإعلامي للمملكة في محاولة
منهم للتغطية على تدخل القوى المتطرفة التي تملكت السلطة قسراً في إيران في الشؤون
اليمنية، بل إن المملكة ما زالت تأمل في حل سلمي يجمع الأمة اليمنية على المصالح
الوطنية المشتركة ويمنع تدخل القوى الشريرة في الشؤون الداخلية اليمنية".
إلى أن قالت: "إن تماهي الحوثيين مع طروحات إيران السياسية، ودفاع طهران عنهم وما
اكتُشف من أسلحة إيرانية في البر والبحر، كل ذلك يؤكد الحقائق المعروفة مسبقاً عن
عمالة الحوثيين لهذا الجناح المتطرف في طهران"(18).
وفي
اليوم التالي (6/11/2009م) جاءت افتتاحية الصحيفة بعنوان (الحوثيون:
الموت للعرب!)
تقول فيه: ".. وليست الجريمة التي ارتكبتها هذه الجماعة المجرمة مؤخراً بالاعتداء
على حرمة الأراضي السعودية وقتل وجرح عدد من جنودها إلا دليلاً على إفلاس هذه
الجماعة والطريق المسدود الذي وصلت إليه ويأسها من تحقيق مآربها في تقسيم اليمن
وإقامة كيان يخدم إيران ويخدم مصالحها في المنطقة. فلو كان الحوثيون يسعون فعلا
للحصول على (حقوق) يدعون أنها منعت عنهم في اليمن لوجدوا أن السعودية أول من يدافع
عن هذه الحقوق ويؤيدهم للحصول عليها من خلال وساطات يمكن القيام بها مع الأشقاء
هناك. ولو كانت القضية مجرد بحث عن حقوق سياسية فإن وجود بعض أتباع وأنصار هذه
الجماعة في البرلمان اليمني أكبر دليل على بطلان ادعائهم بالإقصاء. وحتى لو كانت
هناك مظالم من هذا النوع، فإن هذا لا يبرر امتشاق السلاح وقتل الأشقاء وزعزعة أمن
واستقرار البلاد من أجل تحقيقها. لكن يبدو أن القضية أبعد من ذلك بكثير، فقد كان
أحد أهداف الحوثيين من ارتكاب جريمتهم على الحدود السعودية هو محاولة إحداث مشاكل
بين اليمن والسعودية تقود إلى تحويل مشكلة اليمن الداخلية إلى مشكلة إقليمية وربما
دولية فيما بعد، وفاتَهم أن قيادات البلدين تعي تماماً هذه التحركات المشبوهة ولن
تقع في فخ يرسمه بعض الجهلة وأصحاب الرؤى المشبوهة".
صحيفة
(الرياض) أعطت للقضية مفهوماً أو بُعداً أوسع، إذ أشارت إلى وجود علاقة تربط بين
أزمات اليمن وباكستان وأفغانستان. جاء ذلك في افتتاحية عددها الصادر يوم
19/11/2009م تحت عنوان (ثلاثة حروب.. والهدف واحد)، حيث تقول: "أما
اليمن التي تقع على رأس المثلث مع باكستان وأفغانستان، فإن مبررات الحرب، ذهبت لما
هو مغاير لحل الإشكالات الوطنية بالحوار، إذ جاء التدخل الخارجي كعنوان مفتوح في
إنشاء جيب شيعي يحاول أن يكون نواة دولة تتمدد بتأييد قبلي وشعبي، وهي آمال ربما
كانت حلماً طويلاً عسير التحقق، ليس فقط لأسباب إيذاء الحكومة اليمنية وإدخالها في
حرب استنزاف طويلة، بل لأن طبيعة الموقع لا تستطيع تأمين احتياجات حروب طويلة إذا
ما حوصر البحر، وأغلقت المنافذ مع الحدود السعودية ليبقى الدعم الخارجي تحت رقابة
صارمة، وعلى العكس من باكستان وأفغانستان اللتين لديهما موارد مختلفة سواء من تجارة
المخدرات أو دعم الجيران المرتبطين بحدودهما".
وأضافت: "التماثل والتجانس في الحروب الثلاث لديهما أهداف خلق النواة ثم التوسع،
لكن النظام الدولي الذي صنف طالبان بمنظمة إرهابية، أسوة بالقاعدة، ونتيجة التوسع
باستهداف دول في القارتين الأوروبية والأمريكية الشمالية، جعل التدخل والحسم أمراً
جوهرياً في استراتيجياته. وحتى مع المتسللين عبر الحدود بين المملكة واليمن لا
نستطيع القبول بفرض اعتداء علينا وتشريد مواطنينا وفتح منافذ قد تتسرب منها قوى
خارجية".
من
جانبه دعا رئيس تحرير صحيفة (الشرق الأوسط) طارق الحميد إلى كسر شوكة الحوثيين
ليكونوا عبرة لهم ولعملاء إيران في المنطقة. وقال -في صحيفته تحت عنوان (اكسروا
شوكة الحوثيين)، في 7/11/2009م: ما تجرأ عليه
الحوثيون "ليس بعمل عابر، بل هي عملية مدروسة ومعروفة الأبعاد. فما يريد الحوثيون
فعله هو التصعيد مع السعودية للهروب إلى الأمام من ورطتهم في اليمن، وقبل هذا وذاك،
خدمة أهداف الإيرانيين التي أبرزها إشغال المملكة العربية السعودية بجبهة مشتعلة،
وعلى الحدود السعودية". وأضاف: "فمنطقة جبل دخان، أو الحدود البرية السعودية مع
اليمن، هي منطقة ملتهبة أساساً بعمليات تهريب السلاح، وكذلك عمليات تسلل مقاتلي
(القاعدة) إلى الأراضي السعودية؛ ولذا فإن الهدف الواضح لما أقدم عليه الحوثيون من
اعتداء على الأراضي السعودية، وعلى رجال سلاح الحدود، هو إرباك الحدود السعودية
وإشغالها بحيث يستفيد الحوثيون من شحن مشاعر البعض في الداخل اليمني، وإشغال حرس
الحدود السعودي لكي يستفيد أعضاء تنظيم القاعدة الإرهابي من هذه الظروف، وبالتالي
يتسنى لهم التسلل إلى داخل السعودية. والأمر الآخر هو أن طهران تريد إرسال رسالة
إلى الرياض مفادها أن إيران على مشارف الحدود السعودية".
موضحاً بقوله: "وعندما نقول كسْر شوكتهم فالمعنى واضح، وهو تلقينهم درساً قاسياً،
ليكون عبرة لهم ولعملاء إيران في المنطقة، فالأمن السعودي والأراضي السعودية ليسا
موقع مساومة، كما أن ما يحدث ليس نتاج مشاكل داخلية في اليمن بل هو نتاج تدخل خارجي
في الأراضي اليمنية تطور إلى أن وصل إلى ما وصل إليه على الحدود السعودية".
هذه
بعض المواقف التي تعبر عن وجهة النظر الرسمية للسعودية –وإن كان بصفة غير رسمية-
للقضية يمكن تلخيصها بجملة واحدة: "إيران هي السبب".
الرؤية اليمنية الرسمية ربما لا تختلف كثيرا عن الرؤية السعودية، فقد صرح رئيس جهاز
الأمن القومي اليمني علي الآنسي لصحيفة (الحياة) السعودية -في 15/12/2009م- بأن
الحوثيين "حاولوا أن يوسعوا رقعة الحرب باقتحام السعودية والاعتداء على حدودها بهدف
جرها إلى الحرب لتصبح الحرب إقليمية"، مضيفا: "لربما ينفذون (أي الحوثيون) أجندة
خارجية، إيرانية بدرجة أساسية، إنما هناك دول أخرى".
وقريب
من هذا الطرح يقول المتحدث العسكري باسم القوات اليمنية في محور صعدة (عسكر زعيل)
إن "الحوثيين يريدون -من خلال دخولهم إلى جبل الدخان- أن يدخلوا ضمن التسوية
الأمريكية- الإيرانية؛ مؤكدا أن هناك أجندة خارجية تدعمهم؛ "حتى يجرّوا المنطقة إلى
حرب إقليمية"(20).
في
حين صرح وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي -في حوار مع صحيفة (النهار
اللبنانية)، في 16/11/2009م- بأن الهدف من دخول الحوثيين لأراضي السعودية محاولة
توسيع نطاق عملياتهم واستفزاز السعوديين.. "وتصدير عملياتها الإرهابية إلى الخارج
لإثارة القلق من دون إدراك للعواقب".
وألمح
-في
حوار
مع (وكالة الأنباء الألمانية)- إلى أن إعلان الحوثيين فرض سيطرتهم على جبل الدخان
على الحدود بين اليمن والسعودية محاولة منهم "لجذب التعاطف معهم من الشيعة في إيران
وخارج إيران، ومحاولة خلق أزمة بين السعودية وإيران"، نافيا في الوقت ذاته ما ذكره
الحوثيون مِن مشاركة قواتٍ سعودية بالحرب في صعدة(19).
رؤية
المحللين:
قبل
اندلاع المواجهات في جنوب السعودية بأيام توقع الكاتب السياسي اليمني محمد الغابري
أن يكون التحرش الحوثي بالمملكة مقدمة لاستدراج المملكة وأقلمة حرب صعدة.
ومن
بين دوافع هذا التحرش –في رأي الكاتب:
-
الجمود الذي يطبع الحرب السادسة قد يحولها إلى حرب منسية، وحتى تبقى حاضرة في
الأذهان ووسائل الإعلام فإن التحرش بالسعودية كافٍ لذلك.
-
إقناع الأتباع أن الطموح الحوثي ليس محصوراً بشمال اليمن بل التوسع شمالاً نحو جنوب
المملكة مع وجود بيئة ملائمة تتمثل في الإسماعيلية، وإقناع طهران بفاعلية الحوثيين
في إقلاق المملكة.
وقال:
"إن معلومات استخبارية
عن حال المملكة أفادت الحوثيين بأن القيام بعمليات ولو محدودة ضدها وتحديها هو
الأسلوب الأنجح لتحييدها وإقناعها بالجلوس معهم لتحييدهم".
وأضاف: "إن حرب صعدة أو حروبها تعبر عملياً عن وجود لوثة عقلية لدى أطرافها، وأنها
أقنعت الحوثيين بإمكانيات إحداث تغيير واسع وأنه تم التعامل مع أنظمة ضعيفة في
صنعاء والرياض معا حسب ما يعتقد الحوثيون".
موضحاً أن الحوثيين يعتقدون أن المملكة
"مقيدة ولن يكون بإمكانها شن حرب مباشرة على الحوثيين لما سيجره عليها من تداعيات
أقلها أن دخولها طرفاً مباشراً تجعل الحوثيين أكثر إقناعاً لأتباعهم لشن حرب عصابات
ضد المملكة مباشرة".
وتحدث عن وجود أهداف لدى أطراف إقليمية أبرزها إيران تستهدف أمن اليمن والمملكة.
ورجح الكاتب الغابري فرضية المجازفة الحوثية في إقحام المملكة وتحديها؛ "وذلك سيجعل
المملكة في وضع الدفاع عن سيادتها وتقدم لها مبررات لشن عمليات عسكرية داخل الأراضي
اليمنية"(21).
ومنذ
اندلاع المواجهات انطلقت التحليلات المختلفة نحو قراءة الأحداث وسبر أغوارها لمعرفة
الأسباب والدوافع. ورغم اختلاف الآراء والتصورات في التفاصيل إلا أن الغالبية تدور
-في تحليلاتها- حول وجود أبعاد إقليمية استدعت تلك التطورات ثم اختلفت الآراء
مجدداً حول جوانب الأبعاد الإقليمية وآثارها.
في
تصريحات -نقلها موقع (الجزيرة نت)، في 7/11/2009م-
أكد
محللون سياسيون يمنيون أن دخول السعودية الحرب ضد جماعة الحوثيين يُعد تطوراً
دراماتيكياً، ويؤشر لمرحلة جديدة من الحرب ربما تؤدي إلى أقلمتها، وقد تؤدي إلى
سرعة إيقافها.
حيث
قال رئيس (مركز دراسات المستقبل) الدكتور فارس السقاف إن دخول السعودية في الصراع
يعطي الحرب صفة إقليمية ويوسعها ويعمقها. وتحدث عن احتمال وجود اتفاق بين السعودية
واليمن بعمل كماشة لضرب الحوثيين وإنهاء تمردهم، وهو ما يستوحي من التصريحات
اليمنية الرسمية التي ذكرت أن الحرب الحقيقية بدأت الآن(22).
وأشار
إلى "أن الحوثيين تلقوا في الأشهر الثلاثة الماضية ضربات كبيرة وموجعة من الجيش
اليمني، وشتت قواهم وعناصرهم في كثير من المناطق في صعدة، وإذا أضيف إليها انضمام
القوات السعودية في مطاردة الحوثيين المتسللين للأراضي السعودية.. دون شك سيدفعهم
ذلك إلى إعلان الاستسلام".
من
جانبه رأى الكاتب السياسي صادق ناشر أن دخول السعودية في الحرب ضد الحوثيين سيعطي
انطباعاً عن ضعف الجيش اليمني وقوة المتمردين الحوثيين، "الذين أثبتوا قدرة عالية
على مواجهة جيشي دولتين".
وأضاف
أن "الدخول إلى أراضي السعودية والاستيلاء على جبل دخان لطرد الجيش اليمني منه يؤكد
تنامي قدرات الحوثيين على أرض المعركة واكتسابهم خبرة قتالية ستؤثر على معنويات
مقاتليهم إيجابياً وعلى الجيشين اليمني والسعودي سلبياً".
وفي
حال إطالة أمد المواجهات بين الحوثيين والجيش السعودي -يقول ناشر- ستزداد شعبية
الحوثيين في الداخل اليمني، إذ أن ذلك سيعني لليمنيين تدخلاً سعودياً في شؤونهم
وغزواً على أراضيهم، أما إذا كانت ضربات الجيش السعودي محدودة وسريعة، فسيكون قد
استكمل الهدف من التدخل، وهو إضعاف شوكة الحوثيين في المواجهة مع الجيش اليمني،
وبالتالي تسهيل القضاء عليهم.
وحسب
ناشر فإن الحوثيين أرادوا ولا زالوا يريدون جر السعودية إلى الدخول في هذه اللعبة
الخطرة، أي الغرق في مستنقع الحرب على الأراضي اليمنية؛ لأن ذلك سيجلب لهم دعماً
خارجياً أكبر. ويضيف: "في المستقبل ربما تتحول المنطقة الحدودية اليمنية السعودية
إلى منطقة نزاع، وهو ما ترغب به قوى إقليمية خاصة إيران، وربما سيجد اليمنيون
والسعوديون أنفسهم في ورطة مع المتمردين، وربما يبدأ الحديث عن أقلية مضطهدة في هذه
المناطق، التي قد لا يستبعد أن يدخل فيها شيعة السعودية طرفاً رابعاً".
وأوضح
ناشر أنه "كلما تأخر الحسم العسكري في صعدة وعدم إفادة الجيش اليمني من التدخل
السعودي ستدخل صعدة وما جاورها في حرب استنزاف طويلة، وربما يدخل الشريط الحدودي
اليمني السعودي كله في دوامة من الصراع لن ينتهي إلا بالجلوس إلى مائدة حوار يكون
الحوثيون طرفاً رئيساً فيه".
من
جانبه رأى المحلل السياسي محمد الغابري أن دخول السعودية الحرب ضد الحوثيين تعبير
عن التناقض السني الشيعي، فالسعودية ينظر لها الحوثيون على أنها عدو، ولا يمكن
استبعاد أصابع طهران في تحويل الحرب لداخل السعودية.
وأشار
إلى أن إيران تنظر لصعدة كما تنظر إلى البصرة من حيث موقعها الإستراتيجي، خاصة أن
صعدة قريبة من البحر الأحمر، وهي تحلم أن يكون لها وجود جنوب البحر الأحمر، ولذلك
تستخدم طهران الحوثيين لتحقيق أهدافها الإستراتيجية كما تستخدم الصدريين في العراق.
وحسب
الغابري فإنه من حيث التوقيت قد يكون نقل الحوثيين للحرب إلى داخل الأراضي السعودية
يشير إلى وجود قرار إيراني بتوريط السعودية فيها، واستنزافها في حرب عصابات طويلة،
وربما ذلك يأتي لممارسة ضغط على السعودية وحملها على التعامل مع الحوثيين باعتبارهم
قوة حقيقية في الداخل اليمني.
بدوره
اعتبر رئيس منتدى التنمية السياسية علي سيف حسن نقل الحوثيين الحرب إلى المناطق
السعودية
عملاً
سياسياً وإعلامياً أكثر منه عملاً عسكرياً، مشيراً إلى أن الحوثيين حققوا من خلال
المواجهات مع السعودية نجاحات كبيرة وأوجدوا مبررات جديدة تستدعي تدخلات إقليمية
لإيقاف الحرب.
وقال:
"إن الدعوات السابقة لإيقاف الحرب كانت مبنية على أساس إنساني وأخلاقي يتعلق بأوضاع
النازحين، أما الآن فإنها ستكون مبنية على مصالح إقليمية ودولية". ملفتاً إلى أن
الحوثيين يتمددون في المناطق الشمالية الغربية الرخوة أمنياً وعسكرياً والتي إما
محكومة باتفاقية الحدود بين اليمن والسعودية التي لا تعطي الحكومة اليمنية أي فرصة
وجود عسكري مكثف، وإما أنه توجد فيها قوات عسكرية يمنية تقليدية هجين بين المتطوعين
والقوات العسكرية، فيما المناطق الجنوبية والشرقية والتي توجد فيها قوات عسكرية
محترفة فالوضع فيها مختلف جداً حد تعبيره.
وعن
قراءته لردة الفعل السعودي أبدى حسن خشيته من تورط القوات السعودية في إيجاد "مزارع
شبعا يمنية"، وذلك ما يتمناه الحوثيون حد قوله.
ووصف
مبرر التدخل السعودي في الحرب بالحاد والمنفعل الذي يصدق عليه الخوف من مقولة "أخدش
الثعبان واتركه للنمل"، مضيفاً: "إن السعودية ترى أن ما قام به الحوثيون شكل من ذلك
الخدش، وهى تعلم حجم النمل المتربص بها وعدده، والسعودية مبنية على الهيبة، فإذا ما
ضربت هذه الهيبة أو أضعفت فإن كثيراً من المتربصين بالسعودية سيذهبون إلى ما هو
أبعد من مجرد الخدش"(23).
أما
الكاتب اليمني نبيل البكيري
فيرى
أن تطورات مسارات حرب التمرد الحوثي المتسارعة والدراماتيكية في محافظة صعدة
اليمنية -التي أخذت بعدًا آخر من خلال تخطيها للحدود اليمنية، بفتحها جبهة حرب
جديدة مع الرياض– "تشير فيما تشير إليه هذه الخطوة المغامرة من قِبل الحوثيين إلى
تدشين الوجه الخفيّ لهذه الحرب، والمتمثلة بالأيادي الخارجية التي تدير هذه الحرب
عبر الحوثيين بالوكالة، فضلًا عن أنها انعكاس لتعقيداتِ المشهد السياسي اليمني
الداخلي المتأزم".
وبحسب
المراقبين لهذه الحرب منذ البداية –يقول الكاتب– "فإنهم باتوا أكثر قناعة بالدور
الإيراني رغم تهرب الجانب اليمني كثيرًا وتميعه لمرتكزات هذه الحقيقية، من حيث عدم
توجيه اتهام صريح للحكومة الإيرانية واكتفاء الجانب اليمني بتوجيه التهم إلى
المرجعيات الدينية ومؤسساتها، في الوقت الذي تتعاضد فيه الأدلة كل يوم على تورط
الجانب الإيراني رسمياً في هذا الأمر"(24).
ويربط
البعض هذه التطورات بالتوتر
المتصاعد في العلاقات السعودية الإيرانية، معتبراً ما يجرى هو محاولة لإنهاك الرياض
في حرب عصابات طويلة الأمد، في ظلّ تضاريس المنطقة بالغة الوعورة، كما أن التدخل
السعودي يعني تلقائيّاً تدويل الملف، وهو ما يتيح لإيران التدخل، ولو عبر بوابة
الوساطة، بحجة حماية حقوق الشيعة في اليمن، بينما يرجّح فريق آخر أن يكون ما فعله
الحوثيون بمثابة "هروب للإمام" بعدما أُنهكت قواهم البشرية والمادية والعسكرية في
القتال المتواصل مع الجيش اليمني منذ أغسطس الماضي، في إطار العملية التي تطلق
عليها صنعاء اسم (الأرض المحروقة)، والتي تعدّ مجرد حلقة في مسلسل تتكرر حلقاته من
آنٍ لآخر منذ عام 2004م، ويعتقد الحوثيون أن تورُّط الرياض في القتال يسرع من
الضغوط الدولية من أجل التوصل لمخرجٍ سياسي يمنح الحوثيين بعض المكاسب بعيداً عن
سياسة الاستئصال العسكري التي يصرّ عليها النظام اليمني هذه المرَّة(25).
وسواء
تعلق الأمر بحسابات الإيرانيين أو بظروف الحوثيين، فإن المملكة لم تكن تملك خياراً
سوى الردّ العسكري وبقوة على هذا الخرق غير المسبوق لحدودها، خاصة أن الحوثيين هم
مَن سارع للإعلان لوسائل الإعلام عن اختراقهم للحدود وقتل وإصابة جنود سعوديين،
وبالتالي لم يكن في مقدور الرياض ابتلاع الأمر وتسويته بهدوء، كما هو حال
الدبلوماسية السعودية في مختلف الملفات الشائكة(26).
الكاتب اللبناني سليم نصار اتهم إيران بتشجيع الحوثيين على القيام بهذه الخطوة
الاستفزازية، مستنداً –في ذلك– إلى اعتقاد المحللين السياسيين الذين يرون أن الهدف
هو إحراج السعودية
ودفعها إلى مطاردة أنصاره.
ويبدو
-في رأي الكاتب- أن هذا العمل "كان مخططاً له منذ وقت طويل، بدليل أن قوات المملكة
عثرت على كميات ضخمة من الأسلحة المخبأة داخل مواقع يمنية خلف تخوم البلدين. وفي
تقدير هؤلاء المحللين فإن إيران توقعت إطالة فترة المواجهة بحيث تنشغل السعودية
بحرب استنزاف طويلة، تماماً مثلما انشغل جمال عبدالناصر بحرب اليمن عقب انقلاب
1962م. وفي حساب طهران أن مشاغل الحرب على الحدود الجنوبية الغربية للمملكة ستقيد
تحركاتها في البلدان الأخرى مثل فلسطين ولبنان والعراق، الأمر الذي يعطي طهران
دوراً أكبر في المنطقة. والمستفيد الأول، بحسب الصحف الأوروبية، من صدامات الحدود،
هو الرئيس علي عبدالله صالح؛ والسبب أن وسائل الإعلام العربية والأجنبية أغفلت
نزاعه مع الحوثيين، وركزت في نشراتها على تتبع سير المعارك مع القوات السعودية.
إضافة إلى هذا، فإن حكومة علي صالح ستستفيد من مواقف التأييد التي جيرتها الدول
العربية والأجنبية لمصلحة المملكة، ومعنى هذا أن الرئيس اليمني سيترجم هذا التأييد
الواسع لإظهار نفسه بأنه على حق"(27).
الرؤية الأجنبية:
اعتبر
محللون أجانب أن العمليات السعودية ضد المتمردين الحوثيين
على الحدود مع اليمن تشكل تحذيراً من جانب المملكة لإيران بعدم التدخل في شؤونها،
كما تتضمن حثاً للرئيس اليمني علي عبدالله صالح لدفعه إلى ترتيب بيته الداخلي.
ونقل
موقع (العربية نت) -في 10/11/2009م- عن غريغوري غوز المتخصص في الشؤون الأمنية
الخليجية في جامعة (فرمونت) الأمريكية قوله: إن الرياض "عانت من عدم الاستقرار على
حدودها مع اليمن لفترة طويلة". وأضاف: "برأيي إن السعوديين يبعثون برسالة مفادها
أنهم باتوا يعتبرون (ما يحصل على الحدود) جزءاً من جهود إيران لتعزيز نفوذها في
المنطقة".
وبحسب
خبراء أمنيين "فإن الرياض قدمت المساعدة للقوات اليمنية في حربها على المتمردين
الحوثيين التي بدأت آخر جولاتها في أغسطس تحت اسم عملية (الأرض المحروقة). إلا أن
الضربات الجوية والمدفعية التي قد تكون شملت أهدافاً داخل الأراضي اليمنية في
محافظة صعدة، معقل التمرد، تظهر أن السعوديين قلقون إزاء ضعف حكومة الرئيس اليمني،
وما قد ينتج عن ذلك من فُرص يستفيد منها خصومه بمن في ذلك الانفصاليين الجنوبيين،
وتنظيم القاعدة".
وقال
كريس بوتشيك (من معهد كارنيغي للسلام العالمي في واشنطن) إن "اليمن يشكل مصدر القلق
الأول بالنسبة للسعودية". وأضاف أن "الوضع المتدهور بسرعة في اليمن على مستوى الأمن
والاستقرار يهدد السعودية أولاً وأساساً، وكلما طالت الحرب في صعدة كلما ازدادت
المخاطر".
ويقول
مدير تحرير نشرة (غلف ستيتس نيوزليتر) الأمنية (جون ماركس): "نعتقد أن قوة الحوثيين
ليست كبيرة جداً، إلا أنهم نجحوا في إبقاء الحرب دائرة؛ وذلك بسبب ضعف صالح أكثر من
أي شيء آخر".
وذكر
ماركس -في حديث مع وكالة فرانس برس، الثلاثاء 10/11/2009م- أن الغارات الجوية
السعودية "قد تكون رد فعل مبالغ فيه بالنسبة لحادثة واحدة إلا أنها تشكل مؤشراً
قوياً على أن الكيل طفح بالنسبة للمملكة". وأضاف "هناك خيبة متزايدة إزاء قدرات
صالح في الحكم".
إلا
أن الوضع على الحدود بالنسبة لماركس هو جزء من صورة أكبر تتعلق "بالانتقال إلى حرب
باردة جديدة" بين السعودية وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى. وأشار المحلل إلى
أن "السعودية ودول خليجية أخرى تخشى من أن تستخدم إيران النزاع مع الحوثيين لإثارة
مزيد من المشاكل في المنطقة"(28).
الموقف العربي والدولي من الأحداث:
جاء
الموقف اليمني مؤيداً للسعودية كونهما يخوضان حرباً ضد خصم مشترك. ففي حوار مع
صحيفة (النهار) اللبنانية أكد وزير خارجية اليمن أن من حق السعودية الدفاع عن
أراضيها؛ ودافع عن السعودية قائلاً: "هي لا تقوم بعمليات عسكرية في الأراضي
اليمنية"(32).
كما
أن اليمن كانت تتولى رسمياً –منذ بداية الحرب السادس– مهمة نفي الاتهامات الموجهة
ضد السعودية بالقيام بعمليات عسكرية ضد الحوثيين داخل الأراضي اليمنية، في الوقت
الذي كانت السعودية غالباً ما ترفض الرد على تلك الاتهامات، ربما على اعتبار أن
القضية شأن يمني.
هذا
الموقف اليمني الرسمي له أثره بدون شك على بقية المواقف الرسمية الأخرى العربية.
فقد
أعلنت دول الخليج –بشكل فردي وجماعي– تأييدها لكافة الإجراءات السعودية في مواجهة
الحوثيين.
وكانت
لهذه الأحداث الأولوية في مباحثات القمة الخليجية الـ 30 التي عقدت في الكويت يومي
14 و 15 ديسمبر الماضي. وقد أكد أمير الكويت –في افتتاحية القمة– أن الاعتداءات
الحوثية على الأراضي السعودية يمس أمن دول الخليج كلها.
وكان
وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي –الذي تترأس بلاده الدورة الحالية للمجلس
الوزاري الخليجي– قد أعلن وقوف دول مجلس التعاون إلى جانب السعودية ضد العدوان الذي
تعرضت له أراضيها(29).
بدوره
قال الأمين العام لمجلس التعاون عبد الرحمن العطية إن "أي مساس بأمن السعودية هو
مساس بأمن كل دول المجلس؛ لأن أمنها جزء لا يتجزأ"(30).
وقد
جاء البيان الختامي للقمة الخليجية معبراً عن القلق الخليجي تجاه هذه الأحداث، فقد
أكد وقوف دول المجلس مع السعودية في مواجهات الاعتداءات الحوثية. وأعلن عن الدعم
المطلق لحق السعودية في الدفاع عن أراضيها، كما أكد أن أي مساس بأمن واستقرار
السعودية هو مساس بأمن واستقرار وسلامة دول المجلس كافة(31).
وأدانت سوريا الانتهاكات الحوثية، وأكدت –في تصريح لمصدر مسؤول يوم 11/11/2009م–
"رفضها لكل ما من شأنه الإساءة لأمن المملكة ومواطنيها وتأييدها لحق المملكة
المشروع في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها"(33).
كما
أعلنت كل من مصر والأردن وتونس والمغرب ولبنان وفلسطين والسودان والجزائر إداناتها
للاعتداءات الحوثية وتأييدها للإجراءات السعودية.
وكان
للسودان موقف أكثر صراحة عندما أبلغ الرئيسُ السوداني عمرُ البشير إيرانَ بأن
التمرد الحوثي في اليمن والتحرشات على الحدود السعودية اليمنية يهدد الأمن
والاستقرار في المنطقة. وأبلغ البشيرُ وزيرَ خارجية إيران –في11/12/2009م– أن أمن
واستقرار المنطقة كل لا يتجزأ، حسبما نقلت وكالة الأنباء السودانية (سونا) عن مصطفى
عثمان إسماعيل مستشار الرئيس السوداني(34).
هذا
التأييد للسعودية تجاوز الدول العربية إلى مواقف دول أخرى إسلامية كتركيا، التي
أدانت الاعتداء الحوثي على الأراضي السعودية. وقد أعرب رئيس تركيا –في اتصال هاتفي
أجراه مع العاهل السعودي- عن تأييد بلاده للخطوات التي تتخذها السعودية للحفاظ على
أمنها وسلامة أرضيها وسيادتها(45).
وهذه
المواقف جميعا أتت مختلفة تماما عن موقف إيران من الأحداث. فقد كان الموقف الإيراني
قبل المواجهات السعودية الحوثية معادياً للسعودية بالأساس. لذا فإنه لا غرابة أن
يكون أكثر عدائياً بعد المواجهات.
فقد
حذر وزير خارجية إيران –في 10/12/2009م– الدول المجاورة لليمن من التدخل في شؤونه
الداخلية، في إشارة إلى السعودية دون أن يذكرها بالاسم. وقال مهدداً: "إن من يحاول
صب الزيت على نار الفتنة لن يكون بمنأى عن لهيبها، وسيدخل الدخان في عيونه"(35).
ومقابل هذه اللهجة الإيرانية الشديدة التي أطلقها وزير الخارجية جاء الرد اليمني
شديداً أيضاً في اليوم التالي حيث صرح مسؤول بالخارجية اليمنية
-لوكالة الأنباء
اليمنية (سبأ)-
أن
اليمن "ترفض رفضاً مطلقاً
التدخل في شؤونها الداخلية من قبل أية جهة كانت أو إدعاء الوصاية أو الحرص على أي
من أبناء شعبنا اليمني"(36).
لكن
الموقف الإيراني ظهر أكثر هدوءاً بعد يومين من التصريحات النارية السابقة؛ حيث دعا
وزير الخارجية الإيراني إلى "بذل مساع خيرة لعودة الاستقرار والهدوء إلى اليمن".
وهذا الموقف طرح تساؤلات عن أسباب التغير المفاجئ في لغة طهران، بحسب
(الجزيرة نت)؛ فهل فرض موقفها ذاك ضرورات المعركة أم أملته معطيات السياسة؟
وبينما يعتقد بعض المحللين السياسيين أن الموقف الجديد لطهران كان نتيجة اتصالات
حثيثة ومبادرات من أطراف أخرى في المنطقة للجم فتيل التوتر الذي بدا منذراً بإشعال
استقطاب طائفي في المنطقة قد لا تحمد عقباه، أصر آخرون على أن ذلك الموقف جاء
للمحافظة على حلفاء أساسيين لها في المنطقة بدت بوادر التململ واضحة لدى بعضهم.
ويرى
فريق ثالث من المحللين أنه لا جديد في الموقف الإيراني، وأن تصريحات متكي المهادنة
التي عبر فيها عن استعداد بلاده "للتعاون مع الحكومة اليمنية" موقف تكتيكي فرضته
ساحة المعركة التي بدا فيها أن الخناق يضيق شيئاً فشيئاً حول عنق المتمردين
الحوثيين، خصوصاً بعد إعلان السعودية أنها بدأت فرض حصار بحري على جزء من الساحل
اليمني على البحر الأحمر لوقف الإمدادات عن الحوثيين.
الكاتب والمحلل السياسي الإيراني أمير الموسوي تحدث -في اتصال هاتفي لـ(الجزيرة
نت)- عن وجود "تجاوب" إيراني لم يستبعد كونه جاء بعد "اتصالات هاتفية" مع أطراف في
المنطقة - خصوصا من سوريا وقطر- سمحت بترتيب زيارة في وقت لاحق لرئيس الدبلوماسية
الإيرانية لكل من السعودية واليمن وبتخفيف حدة الخلافات(37).
ويوافق الكاتب والمحلل السياسي المقيم في فرنسا فيصل جلّول على وجود اتصالات سمحت
بترطيب الأجواء ولكن ظاهرياً فقط، ويرى أنه لا تغيير في الموقف الإيراني وإنما
"تعديل في اللهجة" فرضه الموقف اليمني "القوي والحاد" من تصريحات متكي.
أما
أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء سمير العبدلي فلم يستبعد وجود مخاوف من طهران
مما سماه "تكتيل المواقف ضدها"، خاصة بعد الموقف القوي المساند للسعودية واليمن
والذي عبر عنه وزراء الخارجية بدول مجلس التعاون الخليجي في اجتماعهم بالدوحة.
ويرى
جلّول، الذي ألّف كتاباً عن التاريخ السياسي الحديث لليمن، أن ثمة رهاناً إيرانياً
-لا يخفى- على التمرد في صعدة لاستغلاله في خدمة السياسة الخارجية الإيرانية،
لافتاً إلى أن طهران دأبت على توظيف "علاقاتها مع القوى الشيعية في المنطقة"؛ لخدمة
مشاريعها السياسية الخاصة. ويشير إلى أن تصريحات متكي الداعية إلى عدم تدخل دول
المنطقة في الصراع بصعدة حملت رسالة خطيرة مؤداها أنه لا يحق لأحد التدخل في الشؤون
اليمنية إلا طهران(38).
وفي
العموم فإن إيران لا تخفي وقوفها ومساندتها للحوثيين واستنكارها وتنديدها بما تصفه
بالتدخل السعودي، محاولة ترسيخ نظرة العداء للسعودية باعتبارها كيانا محاربا
للشيعة. ففي 15/11/2009م اتهم رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني السعودية
"بإراقة دماء المسلمين" في اليمن باستخدام القدرات العسكرية
(39). ودعا لاريجاني -في 7/12/2009م-
الحكومة السعودية إلى "تجنب أن تتلطخ يداها بدماء المسلمين في اليمن"،
مكررا القول بأن
"التدخل السعودي في اليمن هو عمل تحريضي بدافع من أعداء الإسلام"(40).
والشيء ذاته أكده لاريجاني من القاهرة،
أثناء
زيارته لمصر في 20/12/2009م، حيث قال: إن مشكلة بلاده في اليمن تتعلق بتدخل
السعودية في قضية اليمن، موضحاً أن بلاده تساند الحكومة اليمنية وشعبها وتقدر
الرئيس اليمني، وأن هناك مفاوضات وحوار دائم ومباشر بين البلدين
(41).
المواقف الغربية جاءت متباينة إلى حد ما ما بين الدول الأوربية –بريطانيا وفرنسا-
والولايات المتحدة الأمريكية.
فقد
أكد السفير البريطاني في الرياض –ويليام باتي– أن حكومة بلاده تدعم السعودية في
الرد بالشكل الذي يتناسب مع أي توغلات في حدودها الجنوبية، وأكد –في بيان صادر عن
السفارة يوم 11/11/2009م- أنه تابع التطورات والتوغلات التي تم رصدها إلى داخل
الأراضي السعودية، ناقلاً وجهة نظر بلاده حول هذا الموضوع
(42).
وفي
9/11/2009م أصدرت الخارجية الفرنسية بياناً يدين بقوة الاعتداءات الحوثية على
الأراضي السعودية. وجاء في البيان أن باريس: "أخذت علماً بكثير من القلق بعمليات
التسلل التي تقوم بها حركة التمرد الحوثية انطلاقاً من اليمن إلى داخل الأراضي
السعودية، وبأعمال العنف التي أسفرت عنها، والتي أوقعت عدة ضحايا بين أفراد قوة
الأمن السعودية"؛ وأضاف أن فرنسا "تدين بشدة أي انتهاك لسيادة السعودية ولسلامة
أراضيها" (43). وقد تكرر الموقف أثناء زيارة الرئيس
الفرنسي للسعودية –في 17/11/2009م- حيث أيد حق السعودية في الدفاع عن أراضيها
(44).
أما
الموقف الأمريكي الغامض فقد أثار جدلاً واسعاً وتساؤلات متعددة؛ فهذا الغموض لا
يقتصر على تسلل الحوثيين للأراضي السعودية فقط بل شمل الموقف الأمريكي الرسمي من
الدعم الإيراني للحوثيين، ومن حركة التمرد في صعدة.
والنقطة الأكثر إثارة للاستغراب هي عدم تأييد أمريكا ومساعدتها لحليفتها السعودية
في مواجهتها للحوثيين حسب قول وكالة الأنباء الروسية (ريا نوفوستي)، التي ذكرت أن
الحوثيين يتلقون الدعم من إيران لمحاربة اليمن والسعودية
(46).
ولم
تزد تصريحات المسؤولين الأمريكيين الموقف إلا غموضاً، ففي تصريح لـ(الشرق الأوسط)
–في 11/11/2009م- قال مسؤول في الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة "تحترم حق
السعودية في اتخاذ خطوة دفاعية"!
هذا
التصريح أقرب إلى الرؤية القانونية منه إلى الموقف السياسي؛ لأنه جاء في صيغة
العموم وليس خاصاً بأحداث الحدود السعودية، حيث كل دولة لها حق الدفاع عن أراضيها.
وقد رفض المسؤول -كما تقول (الشرق الأوسط)-الحديث عن تفاصيل القتال على الحدود
السعودية اليمنية، وقال إن الحكومتين السعودية واليمنية تقدران على ذلك.
نفس
الموقف جاء على لسان مساعد وزيرة خارجية أمريكا للشؤون العامة (بي. جي كرولي) في
مؤتمر صحفي عقد بواشنطن يوم 14/11/2009م حول التطورات في الشرق الأوسط؛ حيث كرر
القول بأحقية السعودية باتخاذ إجراءات دفاعية، أما تفاصيل الأعمال العسكرية فمتروكة
للحكومتين السعودية واليمنية (47).
يصعب
تفسير هذا الغموض في الموقف الأمريكي لوجود عدة اعتبارات، منها: التعامل الأمريكي
مع الملف النووي الإيراني، والدور الأمريكي في أحداث الشرق الأوسط، ومن ذلك الموقف
من أحداث اليمن، وكلها مرتبطة بمدى تأثيرها على المصالح الأمريكية في المنطقة.
ورغم
التحالف اليمني الأمريكي خصوصاً في مجال مكافحة ما يسمى (الإرهاب) إلا أن أمريكا
رفضت طلب حليفتها اليمن إدراج التيار الحوثي ضمن قائمة المنظمات الإرهابية؛ واكتفت
بالدعوة إلى ضرورة الحل السياسي للمشكلة الحوثية.
وقد
أكد كرولي -في تصريحه السابق ذكره- أن العمل العسكري "يخلف ضرراً للبنى التحتية
المدنية"، وهذا التأكيد موجّه للسعودية واليمن؛ كونه جاء في إطار حديثه عن أحداث
الحدود السعودية اليمنية.
لكن
لماذا ترفض أمريكا إدراج الحوثيين في قائمة الإرهاب؟
إن
بقاء التناقض الشيعي السني حاضراً قد يكون في صالح أمريكا، وذلك بالاحتفاظ بجيوب
شيعية وتوسيعها إن اقتضى الأمر ذلك في إطار رسم الخارطة، والتي قد تكون منها قيام
دويلة شيعية تشمل أجزاء من شمال اليمن وجنوب السعودية وتتوسع لتشمل المنطقة الشرقية
للمملكة. فقيام جيوب شيعية عربية بدون إيران سيجعل منها أدوات أمريكية حسب قول
الكاتب محمد الغابري (48).
وهناك
احتمال آخر وهو ضبط إيقاع الأحداث بأن تجعل لها سقوفاً، إذ يمكن توظيف الحوثيين
لتحقيق أهداف غير معلنة تتصل باليمن والسعودية معاً، والحيلولة –في الوقت نفسه– دون
تهديد أمن مصادر الطاقة الموجّه الأول للسياسة الأمريكية في المنطقة
(49).
وهناك
احتمال آخر، وهو أن الحوثيين لا يمثلون مصدر تهديد للمصالح الأمريكي على الأقل في
ظل الظروف الحالية.
وقد
أكدوا أكثر من مرة على لسان زعيمهم السياسي المقيم في ألمانيا يحيى الحوثي بأنهم لا
يعادون أمريكا بل ولا إسرائيل.
لذا
فإن الموقف الأمريكي في أقصى مداه لا يعلن سوى عن قلقه من الوضع. يقول قائد القوات
المركزية الأمريكية الجنرال (ديفيد بترايوس): إن المشكلة الحوثية تثير قلق اليمن
والسعودية ودول المنطقة وكذلك أمريكا (50).
ورغم
هذا القلق يظل الموقف الأمريكي غامضاً للاعتبارات التي ذكرناها سابقاً ليس أقلها
أهمية الملف النووي الإيراني والعلاقات الأمريكية الإيرانية المحاطة هي أيضاً
بالغموض؛ فكلا البلدين (إيران وأمريكا) يجيدان استغلال أحداث المنطقة لصالحهما بصرف
النظر عن مدى التقارب والتباعد بين مصالح الطرفين. ومن هنا يأتي الغموض في العلاقة
بينهما كون النفوذ والأطماع هما محور تلك العلاقة.
الاحتمالات المستقبلية:
وضع
أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء الدكتور عبدالله الفقيه ثلاث سيناريوهات
للتطورات المحتملة:
السيناريو الأول (الاحتواء):
ويقول
إنه الأكثر احتمالاً في الحدوث ويقوم على فكرة أن ما تقوم به السعودية حالياً إنما
يهدف إلى تطهير أراضيها كما تقول من المتمردين الحوثيين الذين تسللوا إليها. وأن
السعودية ستقوم بعد الانتهاء من العملية بحراسة حدودها ومنع أي طرف من أطراف الصراع
الدائر في شمال اليمن من استخدام أراضيها للقيام بعمليات ضد الطرف الآخر. وهذا يعني
أنه سيتم احتواء الصراع الدائر بين الحكومة اليمنية والحوثيين في إطار الجغرافيا
اليمنية وبما يمنع من تحوله إلى صراع إقليمي.
السيناريو الثاني (التصعيد):
وهو
الأقل احتمالاً في الحديث عن فكرة أن هناك تفاهماً يمنياً - سعودياً على أن يعمل
الطرفان معاً كحليفين للقضاء على الحوثيين. وإذا ما وجد تفاهم مثل هذا فإنه يتوقع
أن يكون له آثاره العميقة على الخريطة الجغرافية والسياسية للصراع الدائر.
ويشكل
اتساع دائرة المعركة لتشمل أجزاءً واسعة من المملكة واليمن أبرز التطورات المحتملة.
وهناك
احتمال أيضاً أن يؤدي التحالف اليمني السعودي ضد الحوثيين إلى إعادة صياغة
التحالفات السياسية داخل اليمن وداخل المملكة.
أما
على المستوى الإقليمي فإنه قد يؤدي إلى انقسام حاد داخل العالم العربي وسيكسب
الصراع بُعدَه الإقليمي الذي ما زال غير واضح حتى الآن. وسيوفر دخول السعودية كطرف
في الصراع فرصة ذهبية أمام القاعدة لضرب الاستقرار في المملكة العربية السعودية.
وقد تمتد عملياتها فتشمل ضرب المنشآت النفطية المغذية للأسواق العالمية بالنفط.
السيناريو الثالث (الحل):
وهو
الأقل احتمالاً من سابقيه، فهو أن تؤدي التطورات خلال الأيام القليلة الماضية إلى
لفت نظر العقلاء في اليمن والعالم العربي وإيران وأوروبا الغربية وشمال أمريكا إلى
الطابع الخطر للصراع الدائر والى الطريقة التي يمكن أن يتطور بها فتسارع تلك القوى
إلى العمل على تفكيكه بالأدوات الدبلوماسية بأسرع وقت ممكن (51).
ويحذر
الكاتب مصطفى عياط من الوقوع في فخ تدويل الملف، مما يسمح لأطرافٍ أخرى -مثل إيران
أو حتى الأمم المتحدة- بالدخول المباشر على خط الأزمة، وهو ما يحمل في طياته
إمكانية ترتيب أوضاع جديدة برعاية دولية في تلك المنطقة الإستراتيجية شديدة الخطورة
والحساسية للمملكة، فالبعض يتحدث مثلاً عن إقامة منطقة حكم ذاتي للحوثيين المنتمين
للمذهب الزيدي الشيعي في مناطق تمركزهم المتاخمة للحدود السعودية، وحساسية وخطورة
الأمر تكمن في وجود أقلية تنتمي للمذهب الإسماعيلي الشيعي على الجانب السعودي من
الحدود، قد تجدُ في مثل هذا الوضع نموذجاً قابلاً للتكرار، وهو ما يشكل تهديداً
مباشراً لوحدة واستقرار الأراضي السعودية.
كذلك
فإن العنصر الأمني يُعد حاضراً بقوة على الأجندة السعودية، فمناطق الحدود مع اليمن
تُعدّ نقطة المرور الرئيسية لعناصر تنظيم القاعدة إلى داخل المملكة، كما أن معظم
أسلحة التنظيم تأتي عبر تلك المنطقة، وقد شهدت الأشهر الأخيرة إعلان جناحي القاعدة
في السعودية واليمن عن اندماجهم في جماعة واحدة، وهو ما يجعل ضبط تلك الحدود أمراً
بالغ الأهمية للسلطات السعودية، والتي أعلنت بالفعل قبل فترة عن شروعها في بناء
سياج أمني بطول الحدود مع اليمن، لكن هذا السياج مهما بلغت تقنياته من تطور لا يُعد
حلاً نهائياً لمنع عمليات التسلل، هذا إذا ما افترضنا هدوء الأوضاع على جانبي
الحدود، أما في ظلّ وضع كالحالي فإن فعالية مثل هذا الجدار سوف تكون في حدها
الأدنى؛ ولذا فإن الحل العسكري الأمني يجب أن تتعاضد معه مبادرات تنموية لا تقتصر
على الشقّ السعودي من الحدود، وإنما تشمل كذلك الجانب اليمني؛ لأن مافيا التهريب
ستظلّ قادرةً على إيجاد موطئِ قدمٍ لها، طالما سمحت الأوضاع الأمنية والاقتصادية
لها بالوجود والعمل (52).
وعموماً، يمكن للسعودية تأمين حدودها من هجمات الحوثيين ووقف تسللهم إلى داخل
أراضيها؛ ولكن ليس مضموناً أن يتم ذلك بشكل نهائي وتام؛ فقد
اعتبر مساعد وزير الدفاع للشؤون العسكرية الأمير خالد بن سلطان المعركة على الشريط
الحدودي مع المتسللين المسلحين شبه منتهية، حيث لم يتبق سوى تسللات بسيطة
(53)؛ ومع ذلك لا تزال المواجهات دائرة ومستمرة حتى اللحظة.
وفي
العموم فإن هناك عوامل تساعد على بقاء الوضع متوتراً على الحدود، منها:
-
حاجة
الحوثيين إلى وجود هذا الملف على صعيد القناعة الإيرانية أو في سبيل التفاهم والضغط
داخليا وعلى السعودية.
-
وجود
مصلحة لأطراف متعددة من فلتان الأمن على هذه الحدود كونها تعطي مجالا لاستغلالها
كمنافذ عبور (من وإلى).
-
رغبة
إيران في توظيف ورقة الحوثي على الصعيد الإقليمي وإزاء دور السعودية في المنطقة.
-
عجز
الحكومة اليمنية عن إنهاء التمرد وفرض سيطرتها على كافة أراضيها بما في ذلك حدودها
مع السعودية.
-
وعورة
التضاريس الجغرافية التي تمثل عائقاً أمام القوات السعودية واليمنية لمراقبتها
وتأمينها، وهي توفر ملاذاً جيداً للحوثيين ومنطقة لتمرير الدعم والمساندة.
المصادر:
1-
الشرق الأوسط، في 30/8/2009م.
2-
جاء ذلك في مؤتمر (التحركات الإيرانية في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي) الذي عقد
بالقاهرة، في 21/10/2009م.
3-
المؤتمر نت، في 20/8/2009م.
4-
نيوز
يمن، في 15/8/2009م.
5-
أخبار
اليوم، نقلاً عن (إذاعة طهران)، في 18/8/2009م.
6-
التغيير نت، في 20/8/2009م.
7-
الموقع الإلكتروني لقناة العالم، في 22/10/2009م.
8-
(مأرب برس)، 24/10/2009م.
9-
(مأرب برس)، 24/10/2009م.
10-
(مأرب برس)، 19/10/2009م.
11-
(عكاظ)، 8/11/2009م.
12-
(الوطن)، 20/11/2009م.
13-
(العربية نت)، 12/11/2009م.
14-
(الوطن)،11/11/2009م.
15-
(الوطن)، 24/12/2009م.
16-
(الاشتراكي نت)، 3/11/2009م.
17-
(المصدر أون لاين)، 4/11/2009م.
18- (نحذر
الحوثيين عملاء التوسع الإيراني)،
افتتاحية (الوطن)، 5/11/2009م.
19-
(الشرق الأوسط)، 6/11/2009م.
20-
مجلة (الوطن العربي)، العدد (1707)، 18/11/2009م.
21-
(ماذا وراء التحرش الحوثي بالمملكة؟)، محمد الغابري – صحيفة (الأهالي)،
27/10/2009م.
22-
في
إشارة منه إلى كلمة الرئيس اليمني أثناء تدشينه أول شحنة غاز إلى الخارج من مشروع
بلحاف جنوب اليمن في 6/11/2009م، حيث قال: "الحرب لم تبدأ سوى منذ يومين وما سبقها
منذ ست سنوات مضت إنما هي بروفة وتمرين وتدريب لوحداتنا".
23-
(نيوز يمن)، 9/11/2009م.
24-
(ماذا وراء الحرب الحوثيّة على
المملكة؟)، نبيل البكيري، (الإسلام اليوم)، 22/11/2009م.
25-
(السعودية والحوثيون.. مواجهة في
الوقت
والمكان الحرج)، مصطفى عياط، (الإسلام اليوم، 10/11/2009م).
26-
(السعودية والحوثيون.. مواجهة في
الوقت
والمكان الحرج)، المصدر السابق.
27-
(لماذا شجعت إيران الحوثيين على افتعال معركة الحدود اليمنية – السعودية؟)،
سليم نصار، (الحياة)، 14/11/2009م.
28-
(العربية نت)، 10/11/2009م.
29-
(الجزيرة نت)، 10/ 11/2009م.
30-
(الجزيرة نت)، 10/ 11/2009م.
31-
(الشرق الأوسط)، 16/11/2009م.
32-
صحيفة (السياسية) اليمنية الرسمية، 17/11/2009م.
33-
(الوطن) 11/11/2009م.
34-
(المصدر أون لاين)، 11/12/2009م.
35-
(الجزيرة نت)، 10/11/2009م.
36-
(سبأ نت)، 11/11/2009م.
37-
الزيارة لم تتم بعد، وقد رفض اليمن استقبال وزير الخارجية الإيراني خلال الشهرين
الماضيين.
38-
(الجزيرة نت)، 12/11/2009م.
39-
(القدس العربي)، 15/11/2009م.
40-
الموقع الإلكتروني لقناة (العالم) الإيرانية، 7/12/2009م.
41-
(الشرق الأوسط)، 21/12/2009م.
42-
(إسلام أون لاين)، 12/11/2009م.
43-
(الشرق الأوسط)، 10/11/2009م.
44-
(الوطن)، 18/11/2009م.
45-
(الوطن)، 20/11/2009م.
46-
(المصدر أون لاين)، 14/12/2009م.
47-
(الشرق الأوسط)، 15/11/2009م.
48-
(ماذا وراء التحرش الحوثي بالمملكة؟)، محمد الغابري – صحيفة (الأهالي)،
27/10/2009م.
49-
(ماذا وراء التحرش الحوثي بالمملكة؟)، المصدر السابق.
50-
(العربية نت)، 14/12/2009م.
51-
(التغيير. نت)، 8/11/2009م.
52-
(السعودية والحوثيون.. مواجهة في
الوقت
والمكان الحرج)، مصطفى عياط، الإسلام اليوم، 10/11/2009م.
53-
(الرياض)، 24/12/2009م.
|